menuالرئيسية

مذكرات رحالة "1990 - 2017م"

الخميس 07/يونيو/2018 - 03:06 م
 

الرحلات الاستكشافية كانت بالنسبة لي كالرئة التي اتنفس منها ، شغوف بها لدرجة أنني اقحمت نفسي المخاطر ..كانت البداية عام 90م عندما سمعت بموقع يقال له ( قَلت القَلت) وهو عبارة عن نقرة في قعر الوادي طبيعية ، تستخدم لحفظ الماء ،  قيل أن أجدادي كانوا يشربون منها عندما يجف ضرع السماء ، ويقل الماء في الحفر المحيطة بالبادية ، فيهرع بدو الرحل بماشيتهم لتلك القلوت الطبيعية في بطون الأودية لإنقاذ أنفسهم وماشيتهم من الظمأ ، لأن الماء يمكث فيها لأشهر حتى تأتي رحمة الله من السماء وسُمى (بقلت القلت ) لأن أحدهما فوق الآخر ومتقاربين  .

 

كانت الرحلة إليها شاقة وفي وقت برد قارص ، ولكن عندما أعزم لا شئ يردني عن عزيمتي ،  فأخذت أحد البدو  كدليل لي ، في البداية حاول تثبيط عزمي وبأن المسافة بعيدة ولا أقوى على السير ، ولكن الإرادة والعزيمة  كانت أقوى من أي شئ ، فتحركنا بعد الفجر مباشرة ، كانت الأرض قاحلة والرياح شديدة والبرد لا يحتمل ،  ولكن هذه أول رحلة لأختبر نفسي لرحلات أشد وأخطر لقد رسمت عدة أهداف لأراها ومشياً على الأقدام .

 

كان سلاحي معي لا يفارقني أعشق الصيد وكنت قانص بارع لا يشق له غبار ، ولكن لم نصادف أي قنيصة في طريقنا .

 

أسرعنا السير قليلاً فلابد أن نصل قبل الظهر ثم العودة قبل مغيب الشمس ، وفي طريقنا كنت أسأل هذا البدوي عن كل شجرة تؤكل قديماً وطلبت منه أن أراها وآكل منها ، وبالفعل فقد تعرفت على أشجار كثيرة ونباتات شتى وعرفت أين تنمو وكل أوصافها وحفظتها عن ظهر قلب بل وأكلت منها .

 

 

وأخيراً وصلنا للهدف المنشود ، كان الوادي منظره رهيب ومخيف في نفس الوقت ، فالرياح شديدة لذلك سلكنا طريق الإبل قديماً للنزول (للقلت ) وأخيراً وصلنا لأسفل الوادي ، كان منظر رائع جداً فشربنا ماء زلال ، وفي غارٍ صغير أخذنا استراحة لبعض الوقت ، ثم عدنا أدراجنا من حيث جئينا .

 

ثم سمعت بوادي فرعون شدني كثيراً هذا الاسم وقررت الرحيل إليه ، كنت أواجه في البداية تثبيط كبير جداً من الأهل والأصدقاء ، ويرون ما أقوم به عبث وتعب وإرهاق لنفسي وعمل جنوني لا طائلة منه ، ولكن لم استسلم  لذلك رغم خطورة هذا الوادي وبُعد المسافة ، وإن كانت معظم رحلاتي هنا بأماكن  محيطة بهضبة مرتفعات حضرموت وقريبة من عقر داري فأتحرك حسب الإمكانيات المادية والظروف المحيطة بي  .

 

قررت العزم وأخذت بعض الزاد وتحركت مع بعض الأصدقاء الذين أقنعتهم بخوض هذه المغامرة  وأخذنا الدليل معنا . سألت عن سبب تسمية هذا الوادي ، هل فرعون جاء هنا أو له علاقة به ؟ فكانت عدة إجابات أقربها لي ، أنه سُمي بذلك من كلمة فرع في أحد أودية مرتفعات حضرموت وسمى فرعون لكبره وإتساعه عن بقية الفروع للوادي الكبير ، وقيل أن فرعون هنا يعني الشئ الكبير والضخم والعميق ، على كل حال تابعنا المسير لوادي فرعون ، كان الجو صيف وهناك مخاطر كثيرة ولكن ألممت ببعض المعلومات لكل طارئ بسيط ، كلدغات الأفاعي والعقارب وما شابه ذلك وماذا نأكل عندما ينفد الطعام ؟!!  وهذا ستجده كله في كتابنا ( السراج الوهاج في معرفة العلاج ) أقرأ الرحلة المكوكية في المقدمة.

 

كنت طيلة السفر ثرثاراً وأتنقل بهم من قصة لأخرى ومعلومة من هنا وهناك ونكتة تتخلل الحديث ، وهكذا دواليك حتى لا يشعروا بالضيق والملل ، فأمامي خطط كثيرة ومغامرات ، وأحتاج في أحياناً كثيرة لفريق معي لمواصلة الرحلات والمغامرات الأودية كثيرة للاستكشاف والبحث والمعرفة  .

 

حصلت هناك الكثير من المتاعب والصعاب في طريقنا كتمزق حذاء أحدهم أو إصابته بشوكة ، ولكن تعديناها ببدائل رغم شحة الإمكانيات التي نحملها وقلة الزاد ، وبعد خمس ساعات وصلنا الوادي نعم وادي فرعون ، حاولنا أن نجد طريق مختصرة للنزول ، ولكن لا خبرة لدليلنا عن طريق مختصرة إلا من مكان بعيد ، وهنا توليت القيادة وأنزلتهم في طريقٍ وعرة ولكنها مختصرة ، لقد أوردتهم المهالك لا أعرف التراجع أبداً ، وبعد ساعة من النزول عبر الأخاديد والشقوق ، فلا ندري ما سيفاجأ أثناء النزول ولكن سلم الله ، وأصبحنا في بطن الوادي ، هناك ستجد عالم آخر كأنك في بطن حوت ، هناك ستجد أنواع الطيور تحلق فوق رأسك ، هناك ستجد رائحة البشام والقتاد والسمُر وأنواع من الأشجار والنباتات لا حصر لها  ، لمحت كهف رائع فهرعنا إليه ، وهنا قمت بعجن الخبز ووضعه على الجمر وهذا يسمى ( مَجمَر) وبعد أن أخذنا قسطاً من الراحة ، عدنا أدراجنا من حيث جئنا .

 

طبعا ليس الخبر كالمعائنة ، الرحلة شاقة جدا، ومتعبة وأحياناً نواجه أخطار جسيمة أثناء الرحلات ،  سأذكر على سبيل المثال حادثتين مرعبة لي في أثناء رحلاتي إلى منطقة ( درب ) طبعاً جميع رحلاتنا ليس فيها معنا حبال للسلامة سواء لنزول الأودية أو طلوعها إنما نعتمد على أيدينا وأرجلنا فقط وأدنى غلطة ستهوي بك للهاوية مسافة سحيقة وموت محقق ، لكن كنا نملك خبرة كافية لإختيار المكان المناسب ونوع الحجر الذي نتمسك به فالخبرة والممارسة لها دور كبير في جميع رحلاتنا .

 

ذهبنا منا مجموعة إلى ( وادي دَرَب )  وقبل أن نعرف الطرق المختصرة كنا نجتاز الوادي حسب عقولنا ، وذات مرة نزلنا نصف الوادي ، وللأسف  كنت أنا الدليل لهم أتقدمهم ، ولكن ياللهول !! علقت في كهف فناديت البقية بالتراجع فوراً فالوضع خطير جداً كان كل جسمي ينتفض  فالوادي سحيق ، لم استطع  التراجع ، فالطلوع من حيث جئت فيه مشقة ومعي سلاحي فكرت أن أرميه وهنا سيتضرر كثيراً ،  كان لابد أن اختار  إما التراجع أو أدور في الهواء نصف دائرة  وسلاحي على كتفي للغار الثاني ، متشبث بأطراف أصابعي للقفز ، فأخترت الطريقة الصعبة ، فتنفست وبدأت أشحن نفسي بإيحاءات بأن الأمر سهل وبإمكاني فعل المستحيل ، وقفزت ونجحت ، شعرت بقلبي كاد يقتلع من مكانه ، كان الخيار غبي وخطير ، ولكن الله سلم هذا الموقف كلما تذكرته شعرت بخوف ورهاب  شديد من الأماكن الصعبة ، ولكن كانت تجربة مريرة وقاسية.

 

الموقف الثاني أيضاً إلى ( وادي درب ) نفسه ، يبدو أن هذا الوادي أحملُ له ذكريات مرعبة ، وفي نفس الوقت ذكريات

 

جميلة ومغامرات لا تُنسى ، كانت الطريق إليه شاقة جداً لابد أن نجتاز عدة أودية للوصول إليه ، فليس هناك سيارة معنا ، وأثناء رجوعنا اختلفنا في اختصر  طريق ، وكلاً منا ذهب يبحث عن طريق له لكي يجتاز الوادي ، والعجيب كنت حاد الطبع وعنيد فذهبت لوحدي وسلاحي على كتفي ،  فرأيت منحدر صعب فنزلته ظننت أن تحته طريق مختصره ، لم أرَ ما تحتي من الخطر ، كنت شاب في ذلك الوقت مغامر ولا ينظر للعواقب ، كان ذلك عام 96م ، ولكن وقف الدم في عروقي وبدأت أرتجف من الخوف ، تحتي حافة طولها خمسة أمتار ، فقرار الرجوع من حيث جئت كان صعب جداً ، لا يوجد معي حبل ولا عدة للأمان ، فنظرت أسفل مني فرأيت  كومة تراب طولها مترين ثم هاوية سحيقة لبطن الوادي ،  فقررت والخوف قد بدأ ينتابني وأصحابي لا يعلمون أني علقت هنا ، فرفعت سلاحي بكلتا يدي فوق رأسي وتنفست بشهيق ثم زفير وأوهمت نفسي بأن الأمر أسهل مما أتوقع وقفزت قفزة وكأني في تدريب عسكري للأسفل ، وبفضل الله وقعت على كومة التراب ولم أتدحرج قيد أنملة وإلا كانت نهايتي .

 

لحقت بأصحابي وحكيت لهم ما حل بي ، فقالوا مجنون إنك توردنا المهالك ؟! فتبسمت وقلت لهم : رحلة لا مغامرة فيها ولا أخطار ليست برحلة ، ثم واصلنا الطريق إلى البيت ، وقد كان يوماً يستحق أن يتذكره الإنسان مدى الحياة.

 

ثم توالت رحلاتي خلال عشرون عاماً أو تزيد قليلاً ،  فقطعت عدة أودية لحب الاستكشاف سواء أثرية أو كتابات في الصخور قديمة  رآها أحدهم بوادي عميق أو أي شئ يثير فضولي ،  فأحزم أمتعتي وارتحل ،  وأذكر رحلة شاقة وصعبة  قطعتها مشياً على الأقدام أكثر من عشر ساعات قرابة 50كم ، حتى تورمت قدماي من المشي ، ومما أذكر من الأودية التي ذهبتها مشياً على الأقدام ما يلي :  ( وادي فرعون - وادي تَخلِق - وادي ظُلهَم - وادي راغ - وادي خَرَد - وادي مَنوع - وادي الجَام- وادي ربب - وادي درب - وادي فعشون- وادي حليبة - وادي حموضة بدوعن  وغيرها من الأودية ) ... وكان الهدف هو حب الاستكشاف ورؤية أي موقع أثري أو معلم تاريخي ثم تدوين ما رأيته هناك ، ولي مقال هام على الشبكة العنكبوتية بعنوان ( شاهد بالصور تراث حضرموت في مهب الريح ) أنظر موقع اليمن العربي .

 

تعلمت الكثير في رحلاتي ،  أن المعرفة والخبرة والإطلاع شئ لابد منه ، لذلك تعلمت فك شفرات معظم الرسومات التي توجد على الصخور وأعني هنا الرسومات  الحميرية وغيرها ، ومعرفة سر رسمها على الصخور ، ولكنها معرفة سطحية ، ولكن لابد من الإلمام بشئ منها ، ثم تعلمت العمل على أسياخ النحاس لمعرفة الفراغات تحت الأرض والكنوز ، ولقد برعت فيها كثيراً فوجدتها عجيبة جداً ، واستطعت تحديد بها الفراغات والمواسير الماء  تحت الأرض وأشياء كثيرة ،  ولكن تحديد الكنوز تحت الأرض على أرض الواقع كانت تعطي أهداف وهمية ، ولكن هذا لايهم ، المهم عرفت أسرار كثيرة للوصول للمعرفة وحب الاستطلاع ، وجربت أيضاً عيدان الشجر للبحث عن الماء تحت الأرض ، فوجدتها عجيبة وناجحة.. هذه لمحة أحببت ذكرها لأنني استفدت منها كثيراً في رحلاتي ، إلى جانب إلمام مقبول بعلم الجيلوجيا وأنواع الصخور ، ومعرفة جيدة بأنواع النباتات التي تؤكل والسامة والطبية ، وكل مايحتاج له أي رحالة سيواجه المخاطر والصعاب أثناء رحلاته وتنقلاته.

 

هذه نقطة في بحر من ما علق بالذاكرة ، ثم توالت بعد ذلك رحالتي مع فريق خاص وهم الأخ خالد باصريح والعم سعيد باطرفي والأخ عبدالله الدقيل ، ولكن هذه المرة نستأجر سيارة لهذه الرحلات والتي بدأت تتقلص وتنتهي للظروف الصعبة والمادية التي تمر بها البلاد ، فمعظم رحلاتي مع هؤلاء الأبطال كانت منسقة ونحمل جميع مايلزم من أدوية وعدة وعتاد ، وأحياناً نخيم أيام كاملة ، ومعنا رأس من الغنم وطعام شهي ، وكل ما يلزم ،  ولكن رحلاتي الأولى كانت صعبة جداً ومخيفة ولازلت أعاني من الرهاب لأي مكان مرتفع بسبب ما مريت به ، ولكن أحاول أن أتغلب عليه بكل السبل والحيّل ، وكان زادي أحياناً حفنة من السدر المطحون أو كسرة خبز ثم ما أجده من أعشاب ونباتات في طريقي يمكن تطلق عليَّ ( الذئب الجبلي ) .

 

هذه لمحة سريعة عن مذكرات رحالة أحببت أن أدونها لمن يحب الرحلات والمغامرات مثلي ، رغم الأخطار والصعاب ستظل ذكرى في عالم النسيان ، ومن مجموع هذه الرحلات كتبت معظم كتبي لصفاء الذهن وحب التدوين ليستفيد الجميع في كل عصر وزمان من تجارب الآخرين.

 

 

 

تعليقات Facebook تعليقات الموقع
أرض عاد على فيسبوك