menuالرئيسية

الهاشميون الحضارمة ألف عام من مسيرة التنوير والتطوير في حضرموت

الثلاثاء 11/سبتمبر/2018 - 04:07 م
 
في عام318هـ (930م) , أي منذ ألف عام وبضعة عقود من الزمن وصل إلى حضرموت عالم دين وإمام وداعية يسمى احمد بن عيسى قادماً إليها من البصرة بجنوب العراق وبعد ان استقر حيناً من الزمن في المدينة المنورة بأرض الحجاز. وقد سمى هذا الرجل بالمهاجر لأنه-كما قيل- هاجر إلى حضرموت. وكان بمعيته حين قدومه إليها حوالي سبعين شخصاً وفيهم بعض أبنائه وأنصاره ومواليه . واصطحب معه بعض أمواله والتي ترك معظمها في البصرة تحت إشراف احد أولاده.

ويذكر الأستاذ محمد احمد الشاطري في صفحة 156من كتابه (ادوار التاريخ الحضرمي) طبعة 1994م إن الاسم الكامل لهذا الرجل هو احمد بن عيسى بن محمد العريضي بن جعفر الصادق , وينتهي نسبه إلى علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه, والى الأسرة الهاشمية التي ينتمي إليها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .

وكان نزول المهاجر أولاً في دوعن بقرية تسمى (الجبيل) ومنها انتقل إلى الهجرين على مدخل وادي دوعن , وكان يسكنها حينها بنو الصدف وهم من قبائل كندة .ومكث بينهم سنين استثمر فيها أمواله وجمع حوله الرجال والأنصار لمواجهة من تبقى من الاباضيين , وحيث كان المذهب الاباضي حينها هو المذهب الديني السائد في حضرموت . وقد كانت حضرموت عند وصول المهاجر إليها تتبع اسمياً للدولة العباسية ونوابهم من بني زياد الذين جعلوا عاصمة ولايتهم في مدينة زبيد في تهامة اليمن . أما الحكم الفعلي في حضرموت حينها فقد كان لقبائل حضرموت من كندة وسيبان وغيرهما . أما المذهب الديني السائد فيها فقد كان المذهب الاباضي رغم انكسار وهزيمة السلطة الاباضية بعد مقتل زعيمها عبد الله بن يحيى الكندي الملقب بطالب الحق عام 747 م على يد القوات الاموية ( في آخر عهدها ) وفي منطقة مابين مكة المكرمة وصنعاء. وقد عانت حضرموت من تشدد الحكم الاباضي معاناة شديدة , وهو الحكم الذي يوصف جماعته بأنهم قوم من الخوارج يسعون بالقوة والاندفاع والبطش إلى محاربة الخلافة الاموية والعباسية وكل من يعترض طريقهم , مما جعل حركتهم تتسم بكثير من القسوة والتشدد بل والتطرف أحيانا.

وفي هذه الأجواء السياسية والاجتماعية المضطربة والتي كانت تعصف بحضرموت وأهلها قدم إليها المهاجر وصحبه . وقد عاصر شيئاً من آثار معاناة الحضارمة من غلظة وقسوة الأمويين ومن بعدهم العباسيين وخاصة على يد معن بن زائدة القائد العباسي في حضرموت والذي اشتد في قسوته وغلظته على الحضارمة رغم انتهاء سلطة الاباضيين فيها .وصارت هذه القسوة والشدة والفضاضة في معاملة معن بن زائدة للحضارمة آنذاك مضرباً للأمثال وسجلاً كئيباً وبشعاً للدولة العباسية في حضرموت .

وحول دوافع وأسباب قدوم المهاجر الى حضرموت فهناك رأي يقول بان قدومه إليها قد تم برغبة طوعية منه طلباً للامان والاستقرار بعد أن استفحلت المشاكل والاضطرابات الأمنية والسياسية في البصرة وما حولها ، وساقته الاقدار الإلهية إلى حضرموت ليكون له فيها ولذريته تاريخ حافل وآثار ايجابية لاشك أنها لا تخلو من سلبيات هنا أو هناك . وهناك رأي أخر يقول بان المهاجر قدم إلى حضرموت بناءً على طلب من بعض أبناء حضرموت أثناء موسم حج التقوا فيه بالمهاجر وطلبوا منه القدوم إلى حضرموت لإنقاذ أهلها من المعاناة بعد أن علموا عن مكانته الاجتماعية والعلمية .

ومهما يكن من أمر فان قدوم احمد بن عيسى المهاجر إلى حضرموت كان حدثاً تاريخياً موثقاً . وكذلك وثق كل ما جرى بينه وبين خصومه ومناوئيه من اباضيين وغيرهم . وهذا التوثيق هو الذي يساعد ويسهل مهمة اي باحث لمعرفة تفاصيل ما جرى في تلك الأزمنة ، وان كان البعض يرى ومنهم الأستاذ سعيد عوض باوزير وكما ذكر في صفحة 243 من كتابه (معالم تاريخ الجزيرة العربية) في طبعته الأولى عام 1954 أن هناك وثائق كثيرة قد دمرت وأبيدت أثناء الصراع بين المهاجر وبقايا الاباضيين . ولم يحدد الاستاذ سعيد باوزير طرفاً بعينه بكونه المسئول عن ضياع هذه الوثائق والمخطوطات الحضرمية ، مما جعل التاريخ الحضرمي في هذه الحقبة يعاني من بعض الغموض والضبابية . وقد تكشف لنا البحوث القادمة شيئاً عن هذا الغموض .

وفي سياق ما ذكره الأستاذ سعيد عوض باوزير حول قدوم المهاجر إلى حضرموت جاء في صفحة 244 من كتابه ( معالم تاريخ الجزيرة العربية ) المذكور آنفاً ونقلاً عن الجزء الثالث من كتاب (حاضر العالم الإسلامي ) للأمير شكيب ارسلان والناقل بدوره من مقالة للسيد محمد بن عبد الرحمن بن شهاب ( أن الاباضية قد جلبت على حضرموت من المصائب والبلايا والحروب والقتل مما يطول شرحه ). وفي موضع آخر في نفس الصفحة جاء في كتاب الأستاذ سعيد باوزير ( كان أكثر الحضارمة في أول ما قدم المهاجر منعزلين عن العالم الإسلامي لمكان مذهبهم (الشاذ) إلا قليلاً منهم).

ونعود إلى مسيرة احمد بن عيسى المهاجر في حضرموت ، فبعد ان استقر لبضع سنين في الهجرين اخذ يستعد لخوض اول معركة مسلحة في مواجهة بقايا الاباضيين لإثبات وجوده وسلامة دعوته التي كان يطلقها لتطبيق الإسلام المعتدل والبعد عن التطرف والغلو والتشدد . وخاض معركة بحران (وهي منطقة تقع شمال الهجرين وجنوب حريضة).وكان المدد يصله من أمواله التي تركها في البصرة ،بينما كان الاباضيون يستمدون الدعم والمدد من عمان ، وكما يقول الأستاذ سعيد باوزير في صفحة 242 من كتابه المشار إليه سابقاً . وقد انتصر المهاجر في هذه المعركة ، وهي التي مكنته من التمدد والانتشار على طول وادي حضرموت ، حيث انتقل بعدها إلى قارة بني جشير بالقرب من بلدة بور بجوار تريم . وفي عام 345هـ (956م) توفي الإمام المهاجر ، اي بعد حوالي ربع قرن من قدومه الى حضرموت . ودفن في مكان يقال له ( الحسيسة ) بجوار بلدة تاربة عند منتصف الطريق بين تريم وسيئون.

وقد عمل المهاجر وأنصاره ومن أتى بعده من ذريته ومن أنصاره على ترسيخ وتدعيم أسس وقواعد الأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي والإسلام الوسطي والمعتدل في حضرموت . وهذا ما تؤكده جمهرة غالبة من مؤرخي وفقهاء حضرموت
تعليقات Facebook تعليقات الموقع
أرض عاد على فيسبوك