menuالرئيسية

عبدالله سعيد الجعيدي يكتب.. حضرموت .. تاريخ يعيد تشكيل ذاته

الثلاثاء 13/أغسطس/2019 - 07:07 ص
The Pulpit Rock
متابعات_ أرض عاد
 
 هناك علاقة تلازمية بين لفظتي حضرموت والحضارمة  يؤكد ذلك حقائق التاريخ ومجرياته ، وتماسك الجغرافيا وامتداداتها ، ولكن عندما  يبحث المؤرخون عن ملامح الشخصية الحضرمية عبر مسافات التاريخ سيواجهون لاريب صعوبات متنوعة ومتداخلة لأنهم بصدد الحديث عن مفهوم وليس بصدد حدث تاريخي يمكن المقاربة في تحديد بداياته ونهاياته ، ولا يفهم من هذا الكلام أن مفهوم الشخصية الحضرمية مسألة هلامية يصعب الإمساك بها وتحديد ملامحها فهي شخصية مضت مع مجرى التاريخ وحركته المستمرة وتياراته المتدفقة وفي أثناء حركتها  تقلبت بها السبل لكن في  وسط جغرافي تمكن من ضبطها وحصرها وسمح لسنن التاريخ أن تفعل فعلها  .
    وحضرموت اسم يطلق على القبيلة وهم سكانها القدماء أو الأصلاء وعلى منطقة جغرافية واضحة المعالم في جنوب الجزيرة العربية لها حدودها السياسية القديمة الثابتة والمتحركة بخاصة مع جوارها الغربي فتتسع هذه الحدود وتضيق وفقا للتطورات السياسية ، ولكن ظلت الحلقة العصية على حركة التاريخ لآلاف السنين هي صمود المسمى (حضرموت ) فصنع هذا الصمود  هويتها الأصيلة وشكل شخصيتها ، وجعل لها إطارا معترفا به في الأدبيات التاريخية المحلية والعالمية، وبهذا تجاوز مسمى حضرموت صفته القبلية إلى الصفة المكانية لكل سكان حضرموت بصرف النظر عن مسمياتهم ومكانتهم في التركيبة الاجتماعية وهذه الجغرافيا الصامدة التي خلقت ما يمكن وصفه بالشعب الحضرمي أو الوطن الحضرمي. 
        ومن حيث التأصيل السياسي الوطني لحضرموت نجدها في التاريخ القديم قبل الإسلام مملكة (كاملة السيادة ) بمفهوم العصر الحديث وكانت أكبر الممالك التي ظهرت في جنوب الجزيرة العربية مثل : معين وأوسان ،وقتبان ،وسبأ، وحمير، وقد دخلت حضرموت في علاقات مع هذه الدول بين الصداقة والتحالف والحروب . وعصر سيادة الحضارمة الكامل على أرضهم يمتد إلى أكثر من 1300سنة بوصف أن  ظهور مملكة حضرموت في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد إلى أن سقطت سنة 275م بيد دولة سبا وذي ريدان وحضرموت ويمنت. 
    عندما سقطت مملكة حضرموت سنة 275 م فقدت سلطتها على المراكز الحضرية وصارت جزءا من الصراع السياسي في المنطقة إلى أن سيطر الأحباش على اليمن 525م ثم الحكم الفارسي 575سنة م، وتميزت هذه المرحلة بالتجزئة القبلية وانحسار المجتمعات الحضرية لغياب الكيان السياسي الحامي لها وهكذا دخلت حضرموت الإسلام بوفود قبلية. 
    يمثل الإسلام ثورة جديدة في الجزيرة العربية لهذا صارت حضرموت جزءا من هذا الكيان السياسي والثقافي والديني الجديد لكنها ظلت بعيدة عن مراكز التأثير السياسي، وأصبحت العواصم الإسلامية (المدينة المنورة-الكوفة – دمشق) وجهة لأهل الطموح فبرز منهم: القضاة والقادة العسكريون والشعراء ورواة الحديث النبوي الشريف. في ظل الإسلام لم يكن الحضارمة بالعابرين في الزمان والمكان بل كانت لهم إسهاماتهم المشهودة في الدعوة إلى الله ونشر الإسلام في أصقاع من الأرض وفي مهاجرهم صنعوا بصمتهم الحضرمية النابعة من الثقافة الإسلامية ،لهذا لعلنا لا نجانب الصواب اذا وصفنا الهجرة الحضرمية بأنها: أول عولمة ثقافية بأبعاد إنسانية عميقة

هذا الارتباط الديني المقدس للحضارمة بالإسلام جعلهم يتحركون مذهبيا وسياسيا في داخله وليس من خارجه ولهذا تحالفوا مع أطراف الصراع والتنافس على الحكم وكانوا في دور المساند أو المتحالف الذي لا يستطيع أن يتصدر المشهد السياسي في ظل حكم الخلفاء الراشدين. ثم تداخلوا مع الاجتهادات المذهبية وتقلبوا فيها من ذلك  تمذهب عبدالله بن يحيى الكندي (طالب الحق) بالمذهب الإباضي وتزعم الثورة على الأمويين من مدينة شبام سنة 127هـ وصارت شبام - لمدة قصيرة - عاصمة سياسية لنصف الجزيرة العربية بقيادة طالب الحق. 
    
 وفي عهد الدولة العباسية تكونت دول في المنطقة اليمنية بمركزيات متنوعة تنوعت مسمياتها مثل : الزيادية ، والنجاحية ودولة بني يعفر ودولة الأئمة الزيديين والدولة الصليحية والأيوبية والرسولية والطاهرية وكانت العلاقة بين حضرموت وهذه الدول أقرب ما تكون إلى علاقة الجباية. 

      وابتدءاً من القرن السادس الهجري بدأت تظهر دويلات المدن في حضرموت مثل إمارة بني قحطان (آل راشد) في تريم و إمارة آل إقبال في الشحر وإمارة آل الدغار في شبام وتعد هذه المرحلة نقطة تحول في تاريخ حضرموت السياسي ومرحلة تأسيسية لما بعدها بخاصة عندما نجح الكثيريون في تأسيس  السلطنة الحضرمية الكثيرية على أجزاء واسعة من حضرموت ، وشهدت هذه المرحلة حركة الكشوف الجغرافية الأوربية في القرن السادس عشر الميلادي ودخلت حضرموت - بحكم موقعها المهم على السواحل العربية الجنوبية - في خضم التجاذب الدولي ، ثم وقعت فريسة للصراع الداخلي فأدى ذلك إلى وقوعها تحت سيطرة الدولة القاسمية مدة من الزمن ثم بيد القبائل اليافعية لتشهد حضرموت بعد ذلك حالة خطيرة من الفوضى القبلية والتفكك السياسي امتدت لزهاء قرن ونصف من الزمان حتى دخلت في المرحلة الاستعمارية خلال النصف الثاني من القرن التاسع العشر إلى عام 1967م. وذلك في ظل وجود سلطنات محلية ارتبطت بنظام الحماية ثم الاستشارة مع السلطات  البريطانية في عدن دون أي يكون للسلطنتين الحضرميتين (القعيطية – والكثيرية) شخصيتها الدولية المعترف بها. لتصير حضرموت في مرحلة ما بعد الاستعمار محافظة من محافظات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية اليمنية، وبهذا وخلال هذه الفترة (نصف قرن ) مرت بوضع سياسي هامشي على خارطة الدول الوطنية. 
وحضرموت وهي الآن تعيد تشكيل نفسها آن لها ولأبنائها في المهاجر أن يلتحموا لصناعة حضرموت الجديدة، والمزدهرة ، والعزيزة .حضرموت الشريكة مع جيرانها في جزيرة العرب في الحلم والمصير .
تعليقات Facebook تعليقات الموقع
أرض عاد على فيسبوك