طباعة

الإقرار الدستوري للحقوق والحريات العامة

الخميس 21/05/2020 09:19 م

د/ محمد صباح علي

"سبب البؤس الإنساني هو  التناقضبين   الإنسان والمواطن  فإما أن نعطيه كله إلى الدولة أو ندعه كله لذاته"( )

من المفاهيم الشائعة الاستخدام في الأدبيات السياسية وفي الخطب السياسية، التي انتشرت في القرن الثامن عشر، للتعبير عن تصور فلسفي لما يجب أن يكون عليه الوضع القانوني والسياسي والاجتماعي للفرد في الدولة. وقد ورثت اللغة القانونية هذه الجملة، حتى بات يعبّر عنها بتسميات شتى مثل حقوق الإنسان Droits de l’homme والحقوق والحريات الأساسية Droits et libertés والحريات العامة Libertés publiques والحقوق والحريات الدستورية. بحيث تجد أن العبارات المستعملة للدلالة على المادة مختلفة، فالبعض يستعمل تعبير "الحريات العامة" والبعض يستعمل تعبير "الحقوق الأساسية للفرد أو الحريات الفردية الأساسية" والبعض الآخر يستعمل تعبير "حقوق الإنسان" أن "الحريات العامة وحقوق الإنسان تعبيران مترابطان فالحقوق العامة الفردية أو الحقوق الأساسية أو الحريات الأساسية، أو الحريات العامة الفردية هي أكثر التعابير الشائعة في الاستعمال.

في تأثير المبدأ

ففي العراق أثرت المبادئ التي تضمنتها إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي، ومن ضمنها دستور 1925 في العراق الذي أفرد باباً تحت عنوان (حقوق الشعب) اشتمل مواد تتحدث عن المساواة والحرية الشخصية والحرية الدينية وحرية التعبير عن الرأي وحق الملكية. وإذا استعرضنا ما تضمنه الباب الثاني من الدستور من الحقوق المقررة في هذه المواد نلاحظ أن هناك مادتين لا نعتقد أن لهما صلة بحقوق الأفراد العامة قد وردتا ضمن هذا الباب هي المادة (5) التي تنص على أن "الجنسية العراقية وأحكامها يحددها القانون" وثانيهما هي المادة 17 وتقضي بأن "العربية هي اللغة الرسمية سوى ما نص عليه بقانون خاص" كذلك المادة 13 الذي نص على أن "الإسلام دين الدولة الرسمي" فهذه النصوص في الواقع تقرر أحكاماً تتعلق بنظام الدولة السياسي. وباستعراض الحقوق الفردية المقررة في الباب الثاني من الدستور نجدها قد تضمنت أولاً حق المساواة المدنية وثانياً: الحقوق الفردية المتصلة بالحالة المعنوية.

والكلام عن الحقوق يمتزج في كثير من الأحيان مع الحريات، والحريات توصف عادة بأنها أساسية ولهذا يصعب علينا أحيانًا التمييز بين الحقوق والحريات، باعتبار أن الإنسان لا يستطع التمتع بحقه وممارسة هذا الحق إلا إذا كان حرًا ومطمئنًا نفسيًا واجتماعيًا، ومن هذا الشعور تكمن حقيقة الحريات العامة. وهذا يدل ان الحريات لم تكن في النهاية سوى حقوق ذاتية متصلة بشخصية الفرد يستطيع استخدامها في ظل الدستور الذي ينص عليها وبحماية القوانين التي تنظمها.

حدود المبدأ وتداخله

يقول الاستاذ جان ريفيرو فانه "رغم ما يعتري مصطلح حقوق الإنسان" ومصطلح الحريات العامة من تقارب الا انهما ليسا متشابهين ولا يتفقان في نفس المستويين، وليس لها نفس المضمون، فالمصطلح الأول يعود بأصله إلى القانون الطبيعي الذي يقوم على فكرة امتلاك الانسان مجموعة من الحقوق النابعة من طبيعته الانسانية واللصيقة بهذه الطبيعة، وانكارها لا يمنع وجودها، لانها تدور وجودًا وعدمًا، مع الانسان. في حين يذهب المصطلح الآخر إلى الحقوق المعترف بها والمنظمة بموجب القوانين الوضعية، فالحريات العامة هي حقوق الانسان التي كرستها الدولة وانتقلت بها إلى القانون الوضعي.

وهنا نجد الفرق بين الجملتين من جهة، والترابط فيما بينهما من جهة أخرى، فلكل منهما معنى خاص. بل ان الأولى أوسع بكثير من الثانية، بحيث يمكن القول ان حقوق الانسان هي العمق الفكري للقواعد الحقوقية التي تنظم الحريات العامة. اذ ليس هناك تسمية واحدة للحرية، كما انه لا يوجد حتى الآن تعريف مرضِ لها بصورة كاملة.

فقد عرف الاستاذ Jean Roche الحريات العامة بأنها:

"مجموعة الحقوق الأساسية الضرورية في دولة عصرية وليبرالية، لحرية حقيقية".

الحريات العامة هي "الالتزامات القانونية للدولة المنصوص عليها بقواعد ذات قيمة دستورية، والتي لها مقومات الحقوق تعود بالنفع".

هذا التعريف تجاهل بعض الحريات، نذكر مثلاً حق الإجهاض، الذي يشكل في الوقت الراهن إحدى الحريات المكرسة بقواعد تشريعية وليس دستورية، علمًا انه تاريخيًا، ليس هناك من حرية عامة ذات قيمة دستورية في الجمهورية الثالثة وتعريف الأستاذ Braud انتقد سبب تجاهله الحريات التي يضفي عليها القانون الوضعي الفرنسي صفة الحريات العامة في تلك الفترة.

في حين عرف الاستاذ André La lande الحرية بأنها "سلطة وإمكانية السيطرة على الذات، بموجبها يختار الإنسان بنفسه تصرفاته الشخصية ويمارس نشاطاته دون عوائق أو إكراه".

  على أن يؤخذ بالاعتبار عند تعريف الحريات ان اساسها القانون الوضعي للدولة،  أخذا بالمتغيرات الاجتماعية والتطورات الانسانية، أو بمعنى آخر انطلاقًا من تعداد الحريات العامة التي اعتبرها القانون الوضعي كحريات عامة. ونحن نعلم ان مفهوم الحريات العامة هو مفهوم متغير وفقًا لاعتبارات الزمان والمكان، يتطور بتطور المجتمعات من جميع وجوهها الاجتماعية، الانسانية، الاقتصادية، السياسية، الفكرية والعلمية.

    تبني فكرة حماية الحقوق والحريات العامة وتطوره

ومن الجدير بالذكر ان استخدام مفهوم الحقوق والحريات العامة بدأ في الفقه والاجتهاد الدستوري الالماني منذ أواسط الستينيات، مع انتقال حماية الحقوق والحريات من القضاء العادي إلى القضاء الدستوري، حيث ان الدستور الالماني منح الحريات الأساسية تعريفًا محددًا في الدستور، ولم يترك أمر حمايتها إلى القانون العادي. اما في فرنسا، فان حماية الحقوق والحريات العامة كانت مع دستور 1958 وانشاء المجلس الدستوري.

في فرنسا اتخذ المجلس الدستوري الفرنسي ومنذ عام 1948 تصنيفًا خاصا للحقوق والحريات محددًا بذلك العناصر الأولى للنظرية العامة للحريات الأساسية من عدة قرارات صادرة عنه.

ففي قراره الصادر في 10 آب 1984 المتعلق بالمؤسسات الصحفية اعتمد ولأول مرة تمييزاً داخل الحريات العامة، معتبرًا ان بعض الحريات هي أساسية أكثر من الحريات الأخرى وهي أكثر أهمية من غيرها، وبالتالي فهي تتمتع بحماية خاصة لا تتمتع بها الحريات الأخرى وترتكز هذه الحماية على ثلاثة مبادئ توضح موقف اجتهاد المجلس الدستوري في الفترة السابقة لعام 1984.

في الدستور العراقي جاء في الباب الأول: لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور، لكن الدستور نفسه تناول في الباب الأول تحت مسمى المبادئ الأساسية أن " دين الدولة الإسلام". ولكن بالمقابل وفق الدستور بين الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي وحقوق غير المسلمين عبر ما أورده في الفقرة الثانية مضيفًا عبارة: كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد وحرية العقيدة أو الممارسة الدينية كالمسيحيين الايزيديين والصائبية والكرد الفيليين...

وشدد ان العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، واعترف باللغة الكردية الرسمية، وأقر بحق العراقيين بتعليم أبناءهم اللغات الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية في المؤسسات التعليمة الحكومية.

لذلك، يمكن القول أن الدستور بالصورة المجردة dans le concept abstrait يشتمل على اماني الشعب في الحرية والمساواة والعدالة وتطلعاته إلى العيش بأمان وكرامة، وهو يحدد أهدافًا مستقبلية يترك للمؤسسات الدستورية مهمة تحقيقها، ولكن تثور المشكلة، حينما ينظم الدستور حرية من الحريات أو حق من الحقوق العامة، ويعطي للمشرع والبرلمان، السلطة التقديرية للتدخل، ينظم كيفية ممارسة هذا الحق وطرق استخدام تلك الحرية أو الحق، اذا خرج البرلمان عن الحدود الدستورية وأورد قيودًا على حق دون التمتع به، أو على الأقل تجعل ممارسته مقيدة، فانه بذلك يفرغ النص الدستوري من محتواه، ولذلك ضمنت بعض الأنظمة الدستورية إمكانية الدفع بعدم الدستورية حتى يتسنى للمواطنين الطعن بقوانين لاستبعاد تطبيقها ولو بعد حين، وهذا ممكن في العراق وأصبح ممكنًا في فرنسا منذ العام 2008. كما تفسره الأستاذة الدكتورة لارا بستاني. من هنا تولدت الحاجة إلى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم. نعطي مثالا جليا حول السجال المحتدم الذي حصل في فرنسا حول ارتداء الحجاب وحيث كان لمحكمة التمييز الفرنسية موقف صارخ، حديث ومؤيد لارتداء الحجاب وقد خالف في ذلك رأي محكمة الاستئناف، ان القرار الصادر عن محكمة التمييز سيكون له أثر كبير ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار حتى لو تحرك البرلمان الفرنسي لمجابهته وهذا سيأتي دور المجلس الدستوري في التصدي للبرلمان لفرض احترام الحرية الدينية.

وقد سارت الدساتير الحديثة في اتجاه تضمين الحقوق والحريات في صلبها، وكان الهدف من ذلك أن تكفل القواعد الدستورية – الأسمى مرتبة من التشريعات العادية – هذه الحقوق والحريات. اذ ان وجود الدستور ونصه على حقوق وحريات معينة يعطي هذه الحقوق والحريات صفة دستورية. ومن ثم فإنه يجعلها – في الأصل – بعيدة عن يد الممارسين للسلطة ويجعل من هذه الحقوق قيداً على السلطات العامة في الدولة لا يجوز لها أن تتخطاه إلا في الحدود والأوضاع والطرق التي يرسمها الدستور نفسه أو ما يحيل إليه من قوانين إذا فرض وأجاز الدستور مثل تلك الإحالة . ومن هنا فإن الإقرار الدستوري للحقوق والحريات بالنص عليها في صلبه أو في مقدمته – التي لها ايضا قيمة دستورية – يجعل هذه الحقوق والحريات تتمتع بالحماية الدستورية، بحيث إذا اعتدى المشرع على هذه الحقوق والحريات بان أنتقص منها أو أهدرها من خلال تشريعاته التي يصدرها فان هذه التشريعات تكون عرضة للحكم عليها بعدم الدستورية . واذا كان الأمر كذلك فان أثر أحكام القضاء الدستوري يمثل محور الارتكاز الرئيسي في حماية الحقوق والحريات.

صور الحقوق والحريات العامة ومدى التدخل في تنظيمها

وقد ميزت الدساتير بين نوعين من الحقوق والحريات العامة : حقوق وحريات عامة لا تقبل التنظيم او التقييد، وحقوق وحريات عامة نص الدستور على تنظيمها بقانون . والنوع الأول " الحقوق والحريات المطلقة " هي الحقوق والحريات التي غالباً ما يقرها الدستور بنصوصه التقريرية وينظمها على نحو نهائي . اما النوع الثاني من الحقوق والحريات العامة التي نص الدستور على تنظيمها بقانون، فهي التي يقدر واضعوا الدستور منذ البداية أنها تخضع للتنظيم عن طريق قوانين عادية تصدر من البرلمان، فالمبدأ في هذه الحالة انها تخضع للتنظيم من قبل المشرع العادي . والدستور إذ أجاز للمشرع تنظيم هذه الطائفة من الحقوق والحريات، إلا أنه ايضا أقرها من حيث المبدأ، ولا مفر عند التدخل لتنظيمها أن يؤكد التشريع هذا الإقرار الدستوري، ومن ثم لا يستطيع نفيه أو مصادرته . كما يلتزم المشرع بعدم جواز الانتقاص من الحق أو الحرية، بحيث إذا فعل ذلك وخرج عن نطاق التنظيم يكون تشريعه مخالفاً للدستور.

ولعل ما تقدم يبين لنا ومن خلال الدستور التأكيد بعدم المساس بالحقوق والحريات العامة للمواطنين تحت أي ظرف ومسمى، وبخلافه يعد خرقا لنصوص الدستور، و تقع المسؤولية على المؤسسة التشريعية والقضاء الدستوري واجب حماية الدستور وعدم الإطاحة بنصوصه، التي تعد أسمى وثيقة أساسية تنظم ممارسة السلطة وتغدو مقيدة للحكام والمحكومين.